حطامُ الكبرياءِ عند عتبةِ "متولي
الفصل الخامس عشر:
خيم صمتٌ ثقيل، كأن الهواء في الردهة صار مادةً صلبة تخنق الأنفاس، قبل أن يواصل "عم متولي" حديثه بصوتٍ يخرج من الذاكرة: "لقد غادرتُ أسوار هذا القصر منذ اللحظة التي بدأ فيها الوهن ينهش جسد الملك، لم يكن رحيلي جحوداً، بل كان طاعةً لأمره؛ فقد أراد لي النجاة من عدوى الموت التي كانت تترصد به، خشي أن أُهلكَ في مدار مرضه"، حينها ارتفع صوت أبناء الملك بنبرةٍ تفيض بالغطرسة، وكأنهم يرفضون أن يكون للخادم شأنٌ عند السيد: "وكيف لملكٍ أن يلقي بالاً لحياة بوابٍ في غمرة أوجاعه؟ ما الذي يجعله يخشى عليك وأنت مجرد ظلٍ عابر في رواق قصره؟".
لم يلتفت العجوز لسموم كلماتهم، بل ظل شاخصاً ببصره نحو المدى، في حين قالت "مروي" بنبرةٍ يملؤها الصدق والترقب: "أكمل حديثك يا عم متولي" فاستطرد العجوز والوهج في عينيه يزداد حدة: "الملك لم يودعني جسده، بل أودعني روحه.. ترك معي سره الأكبر لأنه لم يجد في هذا القصر قلباً يتسع لثقل الحقيقة غير قلبي"، فصرخوا بصوتٍ واحد هزته الحيرة: "وأي سرٍ هذا الذي يتحدث عنه بواب؟"، فرد ببرودٍ أصابهم بالقشعريرة: "سرهُ يكمن في طيات هذه الأوراق".
بيدٍ مرتجفة ولكن ثابتة في يقينها، وضع "عم متولي" لفافة الأوراق فوق الأريكة الملكية الوثيرة، وكأنه يضع قنبلة موقوتة في قلب تاريخهم، ثم استدار بصمتٍ مهيب، مخلفاً وراءه ذهولهم الذي شلّ أطرافهم، ليختفي خلف بوابة القصر الضخمة وكأنه شبحٌ أدى رسالته وعاد إلى برزخه. اندفعوا جميعاً نحو الأوراق، وبأصابع يرتجف منها الغدر والفضول، فضّوا الختم وانفتحت الأوراق أمام أعينهم، لتصفعهم الحقيقة بمرارةٍ لم يتخيلوها؛ فقد كانت السطور تنطق بكلماتٍ لم تكتبها ريشة الملك، بل كتبها قدرٌ أراد أن يقتصّ للمظلوم، .......................